القارة العجوز: 2024 بداية الزلازل الإقتصاديّة

موقع الفينيق الإخباري
تقرير/إقتصاد
الثلاثاء, يناير 2, 2024

القارة العجوز: 2024 بداية الزلازل الإقتصاديّة

كتب الاستاذ محمد أمين خميس:

يواجه الإتحاد الأوروبي اليوم عدداً من التحديات السياسيّة والاقتصاديّة الكُبرى ، منها أزمة منطقة اليورو الإقتصادية والماليّة من تراجع الصناعات وغلاء المعيشة وزيادة التضخّم إلى مستويات قياسيّة كلها تنذر بأنّ الإتحاد الأوروبي قد يدخل في دوامة من الزلازل الإقتصاديّة خلافاً لما يتم التصريح عنه في الإعلام والندوات الإقتصاديّة والفعاليات الدوليّة,نزيد على تلك التحديات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي كانت تضفي زخماً إضافيّاً وتسهم في رفع الناتج المحليّ الإجمالي مجتمعاً ودعم الثغرات الإقتصاديّة المحتملة، بالإضافة إلى جائحة “كورونا” وتداعياتها التي لم تنتهي منها بعد، والحرب الروسية – الأوكرانية التي لها حصّة الأسد من الإنعكاسات السلبيّة على إقتصاد الدول الأوروبيّة، والحرب الإسرائيلية على غزة، وكل هذه التحديات أصابت أواصر التماسك والتضامن المبنيّ عليها الإتحاد.

هناك عدة امور آخرى تعصف هامّة قلّ ما تتناوله الصحف والمواقع, اولاً حرب الطاقة الغير معلنة بين الكرملين والإتحاد الأوروبي التي بدأت مع الأزمة الروسية الأوكرانية والعقوبات التي فرضها الإتحاد الأوروبي على روسيا,إضافة إلى تدفق ملايين اللاجئين إلى أوروبا حيث وصل بهم الأمر أن قامت بعض الدول الأوروبية بإطلاق النار وإرداء المتسللين فوراً لمنعهم من دخول الحدود, أيضاً التغييرات المناخية على كوكب الأرض وهو ما سيضع ثقله على كل الدول من باب الجفاف وسلاسل التوريد, العرض والطلب, والمواسم الزراعية وسيضع حداً لكل الطموح الأوروبي في عمليات الإنتعاش الإقتصادي أو الخروج من دائرة الخطر بل على الأرجح ستغرقها أكثر وأكثر حيث يُسهم الإتحاد بما قيمته 20 تريليون دولار من الإقتصاد العالمي, نعطي مثالاً على تحدٍ زراعي كبير أنّ أسبانيا تُعتبر المصدّر الأوّل عالميّاً من زيت الزيتون وبسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة التاريخية الصيف الماضي جراء ظاهرة مناخية طبيعية تعرف باسم “النينو” في المحيط الهادئ أدّى إلى إنخفاض نسبة إنتاج زيت الزيتون لديها 60% وارتفاع سعره 112%, جدير بالذكر أن إنتاج أسبانيا وحدها يُعادل 70% من زيت الزيتون في أوروبا و45% من الإنتاج العالمي.

ويرى عدد من المحللين أنّ الاتحاد الأوروبيّ يمر بأصعب فترة في وجوده بسبب شدة وتواتر هذه الأزمات حيث بعضها طبيعيّاً وحلولها قد تتأخر حتى إيجاد الآلية المناسبة للتعامل معها، تحليل هذه التحديات من خلال نظريات التكامل، والتي تحتوي بعضها على أفكار تتعلق بالتفكك، وتصاعد الحديث مؤخرا في الدراسات الأوروبية عن إمكانيّة تفكك هذا الإتحاد إلى الحد الذي جعل العديد من الباحثين ينادون بضرورة بلورة نظريات للتفكك وليس الإعتماد فقط على نظريات التكامل كخطط بديلة في حال بروز حدث طارئ كمحاولة لتجنّب تجربة تفكك الإتحاد السوفياتي والتي كانت عواقبها قاسية على روسيا فيما بعد والدول المنفصلة عنها، لتفسير التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، حيث تثير الأزمات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي مؤخرا تساؤلا كبيرا حول عملية التكامل الأوروبي وحول مدى إمكانية حدوث تفكك لهذا الكيان والسؤال الرئيسي هل سيستطيع هذا الإتحاد الصمود أمام أقل ما يمكن وصفه أنه سلسلة من الزلازل الإقتصاديّة التي لم تظهر ارتداداته وتداعياتها بعد.

إنّ التفكك لا يعني بالضرورة الانهيار التام الذي يعتبر أقصى جانب له أيّ التحول إلى دول متسولة أو حتى أقاليم، ولكنّ هناك عددا من المؤشرات التي تم تناولها منها الخروج الجزئي، الخروج الكلي، عدم قدرة المؤسسات القومية على تنفيذ الآليات والقرارات المناسبة في مواجهة الأزمات، عدم وضع آليات للخروج، تراجع حس الإنتماء والولاء الوطني وفقدان الثقة من الحكومات والشعوب، سيطرة دولة واحدة أو عدة دول على صنع القرار في المؤسسات المسؤولة، وغيرها الكثير.

إنّ تعافي منطقة اليورو في عام 2023 يعتبر هش، مع وجود تهديدات محتملة بما في ذلك الركود الأعمق، وسوق العقارات التجارية المضطرب، والتوترات الجيوسياسية.التي إن استمرت قد تدفع الإقتصاد الأوروبي للدخول في ما يُدعى التضخم المفرط إسوة بما حصل في الولايات المتحدة بسبب ما يُعرف بأزمة نيكسون والتي أنقذتهم لاحقاً إتفاقية البترودولار التي عقدتها الولايات المتحدة الأميريكيّة مع دول الخليج آنذاك.

وعلى نحو مماثل، قد يتزعزع إستقرار الإقتصاد الأميركي بفعل الصدمات الخارجية. ومع استمرار الإقتصاد العالمي في التعافي من أزمتي الصحة والطاقة الأخيرتين، فإنّ هذه الشكوك تؤكد التوازن الدقيق لعملية التعافي الاقتصادي طالما أنّ الصراعات الجيوسياسيّة في تصاعد مستمر والحرب الروسية الأوكرانية بدون حلّ واضح وهو ما قد يدفع الإتحاد الأوروبي إلى إعادة ترتيب أولوياته والنظر في سياسته لذلك قد نلحظ بعض التباينات بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميريكية نذكر منها تباين بين الإتحاد الأوروبي وأمريكا بشأن أزمة تايوان والصين حيث دخول أوروبا في معركة مفتوحة مع الصين قد تكلفهم إلى ما يصل 900 مليار دولار أميريكي وربما أكثر.

إنّ السياسة الإستعمارية التي يتبعها الإتحاد الأوروبي مع باقي دول العالم الثالث ترمي ثقلها على وضع أوروبا يظهر ذلك جليّاً أثناء حرب الدفاع المقدسة التي يخوضها الفلسطينيون في وجه إسرائيل, حيث إسوة بالولايات المتحدة أعلنت أوروبا تأييدها الكامل ودعمها اللامحدود لإسرائيل ما انعكس سالباً على إقتصادهم بسبب التضخم والهشاشة الماليّة الحاليّة وأن فتح مخازنهم وخزناتهم أثّر بشكل واضح على مسار الحرب الأوكرانية الروسية حيث استطاع الروس تحقيق إنتصارات ساحقة بسبب نقص المرتزقة والعتاد التي تم تحويل معظمهم إلى لقيطتهم إسرائيل, ولكنّ قدر اللّه أنهم خاسرون في الرهانين وإن دخلوا معترك تايوان فالأرجح ستكون نهايتهم.

إن انتهاء الصراع في أوكرانيا سيثير قضية الديون الأوكرانية وتكاليف إعادة الإعمار أمام زعماء الدول الغربيّة. وقدّر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار أوكرانيا بمبلغ 411 مليار دولار على الأقلّ, اذا من سيسدد الديون؟ وهل من الممكن تغطية ديون أوكرانيا بالكامل من خلال الجزء المجمد من الاحتياطيات الدولية الروسية. ومع ذلك، لا توجد أسس قانونية لنقل الاحتياطيات الدولية الروسية إلى أوكرانيا. ومن المرجح أن تقع التكاليف على عاتق الإقتصادات الضعيفة في دول مجموعة السبع، الأمر الذي سيزيد من التضخّم والبطالة وغيرها من الأمور السلبية في هذه البلدان. ناهيكم عن إعادة إعمار غزة وتمويل مشاريعهم الخارجيّة في العديد من الدول خاصة أفريقيا لكبح جماح إنهيار نفوذهم في القارة السوداء أمام الصين وروسيا.

أمر أخير لم يأخذ كفاته الإعلامية أنّ الإتحاد الأوروبي يُعتبر مجموعة من الدول الإستعماريّة التي تعتاش على موارد الدول الضعيفة والمحتلّة من قبلهم, من الذهب والألماس والنفط واليورانيوم والزراعة وغيرها الكثير بينما تعاني تلك الدول من مشاكل إجتماعية ونقص غذائيّ حادّ وبلادٍ بدون كهرباء أو بنى تحتيّة وتعليم سليم والفساد المستشري بسبب وجود العملاق الأوروبي الذي يعتاش على حسابهم ويقوم بشفط كل مواردهم لتدعيم نفسه وإبقاء قارّتهم على خارطة الدول العظمى. اذاً كما ذكرنا سابقاً فإنّ هذا التكتلّ الإقتصادي الأوروبي هش جدا قد ينفجر ويتفكك بوجههم في أيّ لحظة خصوصاً بعد قرار الكرملين ومن خلفها المستفيديْن واشنطن وبكين من دعم الدول الأفريقية في طرد النفوذ الأوروبي وإستعادة السيطرة نوعاً ما على مواردهم وبلادهم.

لا تزال تداعيات هذا التحولات والتحديات تُلقي بظلالها على القارة العجوز والعالم ككلّ وما يرتبط به من مخاطر وفرص لم تتضح أبعادها حتى الآن,في نهاية المطاف، سيعتمد الإتجاه المستقبليّ لأوروبا على مجموعة من العوامل، بما في ذلك الاعتبارات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، فضلاً عن الخيارات التي تتخذها الدول وقادتها بشكل فردي.

هكذا ‬تتراكم ‬الأزمات ‬في ‬أوروبا، ‬إلى ‬جانب ‬تراكم ‬الإنحدار ‬التاريخي ‬في ‬القيم ‬المتعلقة ‬بالإنسان ‬وتشريع الشذوذ وكل ما هو ضد الفطرة البشريّة، ‬وقيم ‬الأسرة ‬المفككة ‬بدورهم ‬منذ ‬زمن ‬بعيد، ‬بحيث ‬تجتمع ‬عوامل ‬التفكك ‬الداخلي ‬أخلاقيًا ‬واجتماعيًا ‬وسياسيًا ‬مع ‬التحديات ‬الجديدة ‬التي ‬أبرزت ‬بشكل ‬كبير ‬الخضوع ‬الأوروبيّ ‬لأمريكا ‬في ‬حرب ‬الوكالة ‬الأوكرانية ‬ضد ‬روسيا وإشتعال منطقة الشرق الأوسط وعليه فإنّ العديد من الخبراء الدوليين والمحللين الإقتصاديين يتوقعون مستقبلاً قاتماً للقارة العجوز بداية من عامنا الجديد 2024 وبحسب رأيهم فإنّ استمرار الإتحاد الأوروبي على نفس النهج سيكون مصيره غير مجهولاً بالكامل بين 2027 إلى 2035 وعليه كما وصفهم الرئيس الروسي بوتين أن العالم قريب جدا من أن يتخلص من نظام العبودية الأوروبية الذي دام 500 عام تقريباً

لمتابعتنافضلا وليس أمرا
https://chat.whatsapp.com/JfecYqtNS4yADzaq2zdjAG

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *